الصالحي الشامي

289

سبل الهدى والرشاد

وقيل : إنها تتضرر بشدة النور فتقصد اطفاءه فلشدة جهلها تورط نفسها فيما لا قدرة لها عليه . وقال الغزالي : التمثيل واقع على صورة الإكباب على الشهوات من الإنسان بإكباب الفراش على التهافت في النار ، ولكن جهل الآدمي أشد من جهل الفراش ، لأنها باغترارها بظاهر الضوء إذا احترقت انتهى عذابها في الحال ، والآدمي يبقى في النار مدة طويلة أو أبدا . وقال الطيبي : تحقيق التشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقف على معرفة معنى قوله تعالى : ( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) [ البقرة 229 ] وذلك أن حدود الله هي محارمه ونواهيه كما في الحديث الصحيح : ( ألا إن حمى الله محارمه ) ورأس المحارم حب الدنيا وزينتها واستبقاء لذتها وشهواتها ، فشبه صلى الله عليه وآله وسلم تلك الحدود ببياناته الشافية الكافية من الكتاب والسنة بالستيقاد الرجل النار ، وشبه فشو ذلك الكشف في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد ، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف وتعديدهم حدود الله تعالى وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات ومنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياهم عنه بأخذ حجزهم : بالفراش اللاتي يقتحمن في النار ويغلبن المستوقد على دفعه إياها عن الاقتحام ، وكما أن المستوقد كان غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاهتداء والاستدفاء وغير ذلك ، والفراش بجهلها جعلته سببا لهلاكها : كذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة واحتماءها عما هو سبب هلاكهم ، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها موجبة لترديهم . وفي قوله : ( آخذ بحجزكم ) استعارة مثلت حالة منعه صلى الله عليه وآله وسلم الأمة عن الهلاك بحالة رجل آخذ بحجزة صاحبه الذي يهوي . أن يهوي في قعر بئر مردية . والفاء في قوله : ( فأنا آخذ بحجزكم ) فصحيحة كما في قوله تعالى : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) [ الحجرات 12 ] . فإنه تعالى لما سأل بقوله : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) فأجابوا لا . قال : فإذا كان كذلك ( فكرهتموه ) وكذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما قال للناس : ( مثلي ومثلكم ) أي صفتي وصفتكم . ثم شرع في بيان المشبه بقوله : ( مثل رجل ) إلخ ، وعلم منه ما يقابله من التشبيهات على ما بيناها آنفا ، أتى بما هو أهم وأولى منها وهو قوله : ( فأنا آخذ بحجزكم ) بالفاء . كأنه قيل : إذا صح هذا التمثيل وأنا مثل المستوقد وأنتم كالفراش تقتحمون في النار فأنا آخذ بحجزكم . ولهذه الدقيقة التفت من الغيبة في قوله ( مثل الناس ) إلى الخطاب في قوله : ( فأنا آخذ بحجزكم ) كما أنك إذا أخذت في حديث من لك عناية بشأنه ، والحال أنه مشتغل بشئ